السيد كمال الحيدري

321

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

يجرى فيه بالخصوص . ولازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع إليه نوع عال من التدبير ، عالياً بالنسبة إلى الإله الذي فوّض إليه من التدبير ما هو دونه وأخصّ منه وأخسّ ، واستعلاء الإله على الإله محال » « 1 » . نخلص من جميع ما مرّ إلى إثبات ما نصّت عليه الآية في مقدّمتها الأولى من التلازم بين تعدّد الآلهة والأرباب وفساد النظام الكوني ، إذ يلزم من التعدّد فساد هذا النظام الواحد الذي يبسط بأواصره الارتباطية بين أجزاء الكون . المقدّمة الثانية : التساؤل الذي ينبثق بعد تمام الحديث عن المقدّمة الأولى : ما هو النظام الذي يحكم العالم ؟ أنظامٌ متقن أم نظام فاسد ؟ إنّما يثار هذا السؤال جرياً على مقتضيات القياس الاستثنائي المركّب الذي تضمّه الآية . فالمطلوب في هذه الخطوة أن يثبت بطلان التالي ، أي لا يوجد فساد ، ليصار إلى النتيجة المطلوبة : إذن لا يوجد تعدّد آلهة . إذ سبق القول إنّه لابدّ في القياس الاستثنائي من إثبات التلازم بين المقدّم والتالي ( وقد ثبت في المقدّمة الأولى ) ثمّ نثبت بطلان التالي ، لكي نأخذ النتيجة متمثّلة ببطلان المقدّم ؛ أي بطلان تعدّد الآلهة . ما هو الجواب الذي يقدّمه القرآن الكريم على السؤال المثار أوّل هذه المقدّمة ؟ يسجّل القرآن صراحةً : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ « 2 » . نصٌّ ممتلئ الدلالة على أنّ النظام الموجود هو النظام الأتقن الذي لا يتخلّله اضطراب ولا ينفذ إليه فساد . على أنّ الأمر لا يقتصر على هذه الكريمة وحدها ، بل تطلع علينا مقدّمة سورة الملك بمشهد يحكى التماسك والترابط والوحدة في النظام الوجودي ، وأنّ عالم الإمكان لا ينطوى على أىّ ضرب من النقص والتفاوت والفساد . يقول سبحانه : الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِى خَلْقِ

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق ، ج 15 ، ص 62 . ( 2 ) النمل : 88 .